Articles Malta Forum In the News Lectures at the Grand Mosque, Oman Photo Essay
Grand Mosque
Lectures

The American Understanding of Religious Liberty

By William A. Galston

 

كلمة ملقاة في الجامع الكبير في مسقط، سلطنة عُمان، في ٢١ من كانون الأول ٢٠٠٩.

السلام عليكم. أعرب لكم أولاً عن امتناني للدعوة لزيارة بلادكم ذات التاريخ الثري والمتميز، وبشكل خاص لفرصة التواصل والحوار في صرح المعرفة والإيمان هذا. فأنا هنا في عُمان طالب علم أسعى للاطلاع على ثقافتكم بقدر ما أرغب بالمساهمة في التعارف بين شعبينا ومجتمعينا.

وهدفي اليوم هو أن أشرح وجهاً من أوجه الحياة في الولايات المتحدة غالباً ما يساء فهمه، وهو العلاقة بين الدين والسياسة. وأنا لا أسعى من خلال هذا الشرح إلى تصوير العلاقة كما هي قائمة هناك على أنها المثلى أو الأنسب لبلاد أخرى ذات خلفيات مختلفة. فغايتي وحسب هي تبديد بعض الالتباس عسى أن يؤدي ذلك ألى توضيح رؤيتكم لبلادي. أما رضاكم عمّا قد ترونه، فهو أمر يعود إليكم بطبيعة الحال.

وكانت قد تكررت على مسمعي خلال الحديث مع العديد من رجال العلم المسلمين في العقد الماضي مقولة أن الولايات المتحدة هي كما فرنسا، متشددة في علمانيتها وساعية إلى إقصاء الدين من الحياة العامة. وهذه المقولة ليست صحيحة.

فكما أن العالم الإسلامي متنوع يجمع توجهات مختلفة، فكذلك الغرب. والولايات المتحدة هي إلى درجة كبيرة أكثر الدول الغربية تديناً. وهي قد اجتهدت على مدى القرون لإتاحة مساحة عامة ولصونها بما يضمن لكافة الملل الدينية حرية ممارسة شعائرها. أما تأثير الدين على السياسة في الولايات المتحدة فقد كان ولا يزال إلى اليوم عميقاً.

ولاستعراض التنوع القائم في الغرب، لا بد لي من الإشارة إلى مفهوم «التنوير»، والذي ينضوي على بروز مقام العقل في الحياة العامة، وعلى التفاعل بين العقل والإيمان. وقد كان لكل من العالمين الإسلامي والغربي أدواراً في التنوير. أما الدور الإسلامي في هذا الصدد فقد سبق الدور الغربي، بل مهّد له وجعله ممكناً. ولا شك أنه كان للحكماء المسلمين مثل الفارابي وابن رشد وابن سينا تأثيراً عميقاً على المفكرين اليهود مثل موسى بن ميمون والمسيحيين مثل توما الأكويني، وهؤلاء بدورهم مهدوا الدرب للحوار الهام بين العقل والإيمان والذي ساد على الثقافة والسياسة في أوروپا على مدى ثلاثة قرون.

والقرن الثامن عشر تحديداً هو ما يعرف في الغرب باسم «عصر التنوير»، فهو القرن الذي استولد ثورتين خطيرتين في السياسة، الثورة الفرنسية والثورة الأميركية. غير أنه من الخطأ اعتبار التنوير الأوروپي حدثاً تاريخياً أحادياً. إذ يمكن من جهة استشفاف معالم تنوير ثوروي الطابع، إلحادي في نظريته ومتشدد العلمانية في تطبيقه. والمراحل الأولى من الثورة الفرنسية قد كشفت بالفعل عن الأبعاد السياسية لهذا التنوير الثوروي، دافعة العديد من الذين تعاطفوا مع الفورة الثورية في بادئ الأمر إلى التراجع. والواقع أنه خلال القرنين اللذين ابتدءا بالثورة الفرنسية وانتهيا بسقوط جدار برلين، فإن ما استولده التنوير الثوروي قد ساهم بتعريض العالم إلى أقصى درجات العنف الدموي في التاريخ.

غير أنه من جهة أخرى ثمة تنوير مختلف، تنوير معتدل، سعى إلى إتاحة المجال في المجتمع أمام البحث الحر والتعددية الدينية دون التشهير بالإيمان أو طرده من الحياة العامة. ومعظم واضعي دستور الولايات المتحدة كانوا من أهل هذا التنوير المعتدل. فهم كانوا على قناعة أن كل من الإيمان والعقل يشكل  مرجعية مشروعة مختلفة، وأنه لا يجوز لأحدهما أن يطغي بشكل كامل على الآخر. وبناءاً على ذلك، فإن صياغتهم للدستور عالجت تحدٍ ذا وجهين: كان عليهم أولاً أن يضمنوا التعايش السلمي بين الملل الدينية المختلفة ضمن إطار سياسي موحد، وكان عليهم ثانياً إيجاد القواعد لضبط العلاقة السلمية والتعاضدية بين السلطات الدينية والمدنية. والواقع إن هذه الصياغة قد أدت إلى انخفاض هائل في حالات العنف باسم الدين.

وهذه النتيجة كانت هي الغاية، ذلك أن العنف باسم الدين كان قد خلّف أثراً جسيماً على الغرب. وكما هو معروف، فإن عصر التنوير قد سبقه في الغرب مرحلة «الإصلاح» التي قضت على وحدة المسيحية في القارة الأوروپية، وتسببت بالشرخ العقدي بين الكاثوليك والپروتستانت، وهو شرخ يضاهي ما هو قائم في الإطار الإسلامي بين السنة والشيعة.

ومع حلول العام ١٦٤٠، كانت أوروپا قد شهدت قرناً كاملاً من الحروب الدينية التي أنهكتها وأحبطتها. وكان العامة، كما الخاصة من أهل العلم، يزدادون قناعة أن الإكراه في أمور الدين غير جائز، وإن كان باسم الخلاص والحق. بل أن هذه التجربة جاءت بنتيجة تاريخية قطعية، وهي أن العنف باسم الدين هو ضرر أعظم من الفساد الروحي والأخلاقي والسياسي والذي يزعم هذا العنف السعي إلى استئصاله. وفي حين أن هذه النتيجة كانت معنوية في جوهرها أكثر منها نظرية، فإنها قد ساهمت في تطوير مفاهيم جديد للتسامح الديني. فالبعض قد أشار إلى أن الإكراه في الدين هو أمر متناقض في طبعه ولا جدوى منه، فيما البعض الآخر أكد إن الفهم الصحيح للمسيحية يحرّم هذا الإكراه. بل ثمة من قال أن المخلوق ينشد الخالق كمن يسعى إلى تبين ما هو وراء زجاج قاتم، فالسبل إلى المولى متعددة، ومسائل الخلاف التي أريقت من أجلها الدماء من الأجدر اعتبارها توقيفية.

ولا بد لي من التشديد هنا إلى أن المؤسسات السياسية التي أقيمت في الولايات المتحدة لا تنطلق لا من فرضية فساد المعتقدات الدينية ولا من فرضية صحتها. وهذا يساهم في تفسير اندفاع المتدينين الأميركيين إلى تأييدها والمشاركة فيها. والواقع أنه يشترط على المؤمنين في الولايات المتحدة الالتزام بمبدئين. أولهما أن الدستور الأميركي يضمن للجميع حق ممارسة شعائرهم بحرية شرط ألا يمنح أي مذهب صفة تفضيلية أو رسمية. وعليه، رغم أن ثلاثة أرباع الأميركيين يصرحون بأنهم مسيحيون، فإن المسيحية ليست دين الدولة في الولايات المتحدة. وليس للولايات المتحدة دين رسمي. أما المبدأ الثاني، فهو أنه على المؤمنين في الولايات المتحدة أن يقبلوا بقاعدة لا إكراه في الدين، وأن الدين الحق لا يتوافق مع الإكراه. وكافة الديانات السماوية تؤيد هذا المبدأ، ومن شأنه بالتالي أن يشكل أساساً للتلاقي بيننا.

غير أنه ثمة خلاف حول معنى قاعدة لا إكراه في الدين. ففي الولايات المتحدة، موقفنا هو أن انتفاء الإكراه يعني أن الحرية ثابتة لكل مواطن بأن يعتنق ديناً ما وكذلك أن يخرج عنه وأن يعتنق ديناً آخر. فنحن لا نميز بين حرية اعتناق الدين وحرية الخروج عنه. ولا يجوز للسلطة السياسية أن تفرض ديناً ما على أحد، ولا أن تلزم أحد بالبقاء على دينه. ولا يجوز ذلك أيضاً للمرجعية الدينية. فالخروج عن الدين قد يكون كفراً  يجلب لمرتكبه العقاب في الآخرة، غير أننا لا نعتبره جريمة تستوجب المعاقبة العدلية في هذه الدنيا. ثم أن مقام المواطن الأميركي لا يتأثر بانتمائه الديني، أو بتبديله لهذا الانتماء.

وهذا التصديق على الحرية الدينية، إذ يلقى اليوم الإجماع في الولايات المتحدة، كان موضع خلاف شديد في مراحل سابقة من تاريخنا. وكما تعلمون، فإن الولايات المتحدة قد شهدت موجات متتالية من الهجرة الوافدة. والملايين من هؤلاء الوافدين في القرن التاسع عشر كانوا من الكاثوليك، وذلك في حقبة كانت الكنيسة الكاثوليكية ترفض فيها الحرية الدينية، وترفض كذلك الديمقراطية والتنوير.

وكان رأس الكنيسة الكاثوليكية البابا پيوس التاسع قد أصدر عام ١٨٦٤ وثيقة مرجعية تنقض الديمقراطية وحرية التعبير والحرية الدينية، كما أصدر «جدول أخطاء»، يجمع ما أفتى بخطئه وشواذه. وإليكم بعض النماذج. الخطأ الخامس عشر: «يحق لكل إنسان أن يعتنق ويمارس الدين الذي يرى بنور العقل أنه الحق». الخطأ الثامن عشر: «المذهب الپروتستانتي هو شكل آخر من أشكال الدين الحق المسيحي الساعي إلى إرضاء الله، كما هو حال الكنيسة المسيحية». الخطأ ٧٧: «لم يعد لازماً في عصرنا أن يكون الدين الكاثوليكي دون غيره دين الدولة». والخلاصة أن البابا كان يرى أن الدين الحق واحد، وأن الخروج عنه غير جائز، وأنه يتوجب أن يكون دين الدولة.

ومنذ ذلك الحين، فإن الكاثوليكية قد ارتضت الديمقراطية الدستورية، وأقرّت حق حرية الإيمان، والحريات الشخصية عامة. ففي وثيقة «الإعلان عن الحرية الدينية» الصادرة عن مجمع الڤاتيكان الثاني عام ١٩٦٥، نجد أن الكنيسة تعتمد مبادئ كرامة الإنسان والضمير الإنساني لدعم الحرية الدينية والتعددية الدينية. وتنصّ هذه الوثيقة على أنه «للإنسان حق بالحرية الدينية». وهذا يعني تحديداً أن «الجميع معصومون من الإكراه، سواءاً كان من الإفراد أو الجماعات، بما يضمن أن لا يرغم أحد على التصرف بما يتعارض ومعتقده … ضمن حدود معقولة». وقد كان لهذا الموقف نتائج هامة على موقف الكنيسة الكاثوليكية من الحياة السياسية. فالقائمون على هذه الكنيسة يسعون اليوم إلى ضمان حق أداء الشعائر ورعاية المؤمنين وإقامة النشاط الاجتماعي دون تدخل من السلطات السياسية، لا إلى الإقرار بأن معتقدهم هو دين الدولة.

ما الذي جعل هذا التحول الخطير ممكناً؟ كيف انتقلت الكنيسة من المطالبة بكامل السلطة على السياسة والمجتمع إلى القبول بسلطة الهيئات المدنية، وارتضت بأن تكون أحد مذاهب عدة تتعايش سلمياً في مجتمعات تعددية؟

والجواب، على الأقل جزئياً، يعود إلى التفاعل بين الكنيسة وما أسميته التنوير المعتدل في الولايات المتحدة. قالقائمون على الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة كانوا قد اختبروا كياناً سياسياً يرفض مقولة دين الدولة، ولكنه لا يرفض الدين. فكما لحظ عالم الاجتماع الفرنسي الكبير ألكسي ده توكڤيل، فإن الإيمان والحرية لم يكونا على تصادم في مرحلة ما بعد الثورة في الولايات المتحدة، وذلك على خلاف ما شهدته فرنسا في أعقاب ثورتها. فالولايات المتحدة كان دار حرية دينية، ولم تكن دار علمانية هجومية. ولا شك أن الأميركيين الكاثوليك قد تعرضوا لمضايقات شتى، ولكنهم كذلك اختبروا التعددية الدينية بقدر أتاح لهم مساحة عامة لإقامة شعائرهم ومؤسساتهم التربوية والخيرية.

فحين نظر القائمون على الكنيسة الكاثوليكية في الولايات المتحدة في هذه التجارب انكشف لهم التباين بين النظام الديمقراطي الدستوري والفكر الكاثوليكي السائد حينئذ. فأخذ المفكرون الأميركيون الكاثوليك بتطوير مفاهيم جديدة للحرية الدينية والاجتماعية. وجاء انتخاب جون كينيدي كأول رئيس للولايات المتحدة يعتنق المذهب الكاثوليكي ليثبت اكتمال القبول العام في البلاد بالكاثوليك كمواطنين أميركيين. وبعد سنوات قليلة من هذا الحدث، أخذ الأميركيون الكاثوليك رؤيتهم للحرية الدينية إلى روما، وبمساعدة من البابا يوحنا الثالث والعشرين، تمكنوا من إقناع كامل الكنيسة باعتماد هذه الرؤية.

وكما أن الولايات المتحدة قد أحدثت التغيير في الكنيسة الكاثوليكية، فكذلك الكنيسة الكاثوليكية قد أحدثت التغيير في الولايات المتحدة. فالأميركيون الكاثوليك، بنسب تفوق مواطنيهم من الپروتستانت، ينشطون في تدعيم مؤسسات المجتمع المدني ويسعون إلى تحقيق العدالة الاجتماعية. وتصورهم للمجتمع قد ساهم في رسم معالم «الصفقة الجديدة»، والتي شكلت الرد الأميركي على الكساد الكبير في عقد الثلاثينات من القرن الماضي. والمفكرون الكاثوليك أيّدوا العمل النقابي وبرامج الرعاية الاجتماعية ودفعوا باتجاه رفع الأجور بما يضمن للعامل القدرة على إعالة أسرته. وشارك المفكرين الكاثوليك في ذلك القائمون على الكنيسة في المحافل العامة.

فالعلاقة بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة هي علاقة تبادل، لا علاقة تنازع. ورجال الدين يقرون بأنه لن يكون للبلاد ديناً رسمياً ولن يكون إكراه في الدين. وفي المقابل فإن السلطات السياسية تقرّ بأنه للدين أبعاداً سياسية وأنه من حق المواطنين المتدينين السعي إلى التأثير على الجدال السياسي. والحق يقال أن المشاركة الدينية في الجدال السياسي غالباً ما تؤدي إلى السجال.فبعض المواطنين العلمانيين يعترضون عليها، ثم أن الديانات الكبرى المتمثلة في الولايات المتحدة ليست طبعاً على توافق دائم مع بعضها البعض.

وعلى الرغم من الشوائب وافتقاد الكمال، فإن المؤسسات والمعتقدات في الولايات المتحدة قد أتاحت المجال للتعايش بين الدين والسياسة، وغالباً بصورة سلمية ومنتجة، وذلك طوال أكثر من قرنين من الزمن منذ إقرار الدستور. وهذا إنجاز كبير. أما إذا كان لهذا الإنجاز الذي تحقق في بلادي نتائج وعواقب خارجها، فهو أمر متروك لرأي المواطنين والقادة في غيرها من البلاد.

المفهوم الأميركي للحرية الدينية

English

Search