الحوار الحقيقي هو بين المسلمين
يجب أن يتم بناء المسجد القريب من موقع الاعتداءات، ولكن ليس فقط انطلاقاً من المبادئ الفخمة حول حرية المعتقد الديني والتي عبّر عنها عمدة مدينة نيويورك مايكل بلومبرغ. والواقع أنه، ولا سيما في الشأن الإسلامي، ثمة دواعي عدة للأميركيين بأن يظهروا الريبة إزاء ما ينطق به زعماؤهم من تصريحات تعظيمية. فالحجة الأكثر إقناعاً لبناء المسجد هي تجاوز الإشكالية القائمة اليوم، وهي الإشكالية التي تقوّي الأوساط الانتهازية في الجالية المسلمة وتغذي مقولة التصادم بين فريقين (الذات والآخر)، إذ هذا يعرقل ما نحتاج إليه من حوار داخل هذه الجالية حول موقعها في المجتمع الأميركي.
ومراراً وتكراراً، برهن قادتنا عن استعداد مقلق لطمس وقائع خطيرة حول الجهاديين الذين يلجأون إلى العنف، والتخفيف من وطأتها. فبعد المحاولة الفاشلة في ميدان تايمز سكوير والتي أقدم عليها فيصل شاهزاد معتبراً نفسه «جندي مسلم»، أعلمنا العمدة بلومبرغ أنه ليس هناك من دليل أن هذه العملية مرتبطة بأي تنظيم إرهابي معروف، وأفادتنا وزيرة الأمن الداخلي جانيت ناپوليتانو أنها حادثة منفردة، فيما رفض المدعي العام إريك هولدر الربط بينها وبين الإسلام الأصولي.
ومن حق الناس المعتدلين أن يظهروا الريبة إزاء قادة الجالية الإسلامية والمركز الإسلامي العتيد. ذلك أن المساجد في الولايات المتحدة كانت ولا تزال حلبات صراع فين فصائل إسلامية متنافسة. ومن المعتاد أن تتكلف مجموعة عناء بناء مسجد، ثم تستولي عليه مجموعة أخرى. وقد تمكن المتطرفون في أكثر من حالة من الاستفادة من هذا الواقع. إلا أن نشاط الإرهابيين ومن دار مدارهم قد تحقق على الغالب خارج المساجد، إما بمحض إرادتهم، أو لأن سائر المسلمين قد تمكنوا من إقصائهم.
ولا شك أن فعل الإقصاء هذا مطمئن، إذ هو جزء من نهج الرقابة الداخلية الذي تلتزمه الجالية المسلمة في الولايات المتحدة، ولا سيما منذ اعتداءات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١. إلا أن هذه الرقابة تتعايش مع مستويات مرتفعة من التهرب والإيهام، وهي التي تعبر عنها مواقف تتكرر بين المسلمين بأنه لم يكن للدين أي دور في اعتداءات الحادي عشر من أيلول ٢٠٠١، أو التشكي من أنه لم يُسأل مثلاً عن دين «اليونابومبر»، والذي أرسل المتفجرات في زمن مضى إلى الجامعات وغيرها من المؤسسات.
بل ما يثير المزيد من القلق هو افتقاد قادة الجالية الإسلامية إلى الصراحة بشأن ارتباطاتهم السابقة. فكما بيّن الإدعاء العام الاتحادي خلال محاكمة مؤسسة الأرض المقدسة، فإن العديد من هؤلاء ذوو ارتباطات سابقة بحماس وبالإخوان المسلمين. ومن الإنصاف الإشارة إلى أن ما يترتب عن هذه الارتباطات ليس بالضرورة بالجسامة التي يصورها المتطرفون المعادون للإسلام. فتنظيم الإخوان المسلمين هو في نهاية المطاف حركة واسعة النطاق في العالم العربي تجمع في وسطها تيارات متباعدة وفق وقائع أماكن نشاط أعضائها.
وإذ لا بد من مواجهة انعدام الصراحة هذا، فإن قضية كمسألة المركز الإسلامي لن ترغم قادة الجالية الإسلامية أن يعتمدوا الصراة بل تسمح لهم بأن يتهربوا من الموضوع، فيما الضوضاء الإعلامية تمكنهم من تجاوز العقبات الكبيرة التي تعترضهم في مساعيهم لتعبئة عامة المسلمين. فمن المفارقات التي تندر الإشارة إليها في موضوع المسجد القترح هو أنه ما يقارب الثمانين بالمئة من المسلمين في الولايات المتحدة ليس لديهم أي ارتباط دائك بأي مسجد. وبعض هؤلاء، دون شك، قد تخلى عن الإسلام والدين عموماً، فيما العدد الكبير منهم لا يزال يعتبر نفسه مسلماً دون أن يلزم بقرائض الدين وشعائره. فبالإضافة إلى المعوقات المعتادة التي تمنع المهاجرين من الانخراط بالشؤون العامة والسياسية، فإن التواصل مع هؤلاء المسلمين غير المنتمين إلى مسجد كان صعباً بشكل خاص بالنسبة لقادة الجالية.
ومما يزيد من الصعوبة هو التنوع في الجالية الإسلامية في الولايات المتحدة. فالمسلمون هنا لا يتوزعون إلى مذاهب السنة والشيعة والصوفية وحسب، إنما كذلك يتكلمون لغات مختلفة ويحافظون على روابط متباعدة مع أوطانهم الأصلية. وثمة هوة بين المسلمين المهاجرين والمسلمين من أصول أفريقية أميركية، وهؤلاء بدورهم منقسمون إلى طوائف عدة. وأخيراً فإن الفوارق عديدة بين التقليديين والأصوليين والإسلاميين.
ونظراً إلى هذا التنوع الصعب وإلى عقبات التواصل، فإن المسائل الخلافية مع غير المسلمين، والهجمات التي يتعرض لها الإسلام. تشكل فرصة نادرة لقادة الجالية لتوحيد جماعتهم وتعبئة جمهورهم تحت صفة جامعة كمسلمين. وكلما توطدت فكرة المواجهة بين المسلمين وغير المسلمين، كلما تمكن الانتهازيون الذين يسوقون منطق الضحية من إقصاء القادة ذوي المسؤولية.
وهذا هو الوجه المأساوي للخلاف القائم اليوم وما شابهه من قضايا. ذلك أن الحوار النقدي المطلوب ليس بين المسلمين ومن عداهم، بل بين المسلمين أنفسهم.
ولتسهيل ذلك. يتوجب علينا الامتثال بما فعله العمدة بلومبرغ رغم ارتباكه. أي علينا أن نؤيد بناء المسجد قرب موقع الاعتداءات، وأن نبقى بالمرصاد لأعدائنا الحقيقيين في العالم الإسلامي، وأن نشجع المسلمين هنا أن ينشطوا في جهدهم النقدي لتحقيق حقوقهم ومسؤولياتهم كمواطنين، على حد سواء.
پيتر سكيري هو أستاذ العلوم السياسية في معهد بوسطن وكبير زملاء في مؤسسة بروكينغز.