Articles Malta Forum In the News Lectures at the Grand Mosque, Oman Photo Essay
Articles

Reflections on “Reason”

By Professor Jean Bethke Elshtain

بعض التأملات حول العقل الرحب والعقلانية الضيقة
جين بثكي إلشتين

كان المفكرون الأوروپيون في القرن التاسع عشر في مجموعهم متفائلين. حتى فرويد، والذي عرف عنه التشاؤم، أعرب عن رأي أن «صوت العقل الهادئ المنخفض» سوف ينتصر يوماً ما، وسوف يقضي على الأوهام البالية، والمقصود بالأوهام هنا المعتقد الديني. ففرويد ومعه ماركس وجون ستوارت ميل كانوا جزءاً من توجه «معقلِن» (بكسر اللام) يتطلب استئصال الإيمان الديني من النشاط الفكري عامة، باعتبار أنه لاعقلانية على حد رؤيتهم، بل «أسوأ ما في الطبيعة الإنسانية» وفق تعبير ميل.

وهذا الإصرار على اعتبار الدين معتقداً واهماً أو فقزة إلى الظلام، كان ليشكل صدمة من وجهة نظر من سلفهم من مفكري الغرب الكبار. فمن القديس أغسطين إلى القديس توما الأكويني، كان الافتراض أنه ثمة تكامل لا تعارض بين العقل والإيمان، كما يتضح من مقولة أغسطين الشهيرة «كريدو أوت إنتليغام» أي «الإيمان الساعي إلى الإدراك». بل يمكن اعتبار كتاب الخلاصة اللاهوتية لتوما الأكويني انتصاراً واضحاً للإيمان العقلي. فتعريف الإنسان في هذا الكتاب هو أنه مخلوق يبحث عن المعنى والحقيقة، والله هو الذي خلق الإنسان على هذا النحو، مانحاً إياه العقل ليستعمله للأغراض الحسنة، لا القبيحة. والله نفسه هو أقصى العقل ومنتهاه، فيما هو في الآن نفسه أقصى الحب. فالله قد خلق الإنسان والكون من فائض الحب. 

ثم إن الله قد خلق عالماً يدركه العقل، وأرسى النواميس التي تسيّر الكون، وبوسع الإنسان أن يكتشف هذه النواميس بواسطة العقل. وكان توما الأكويني قد قسّم القانون إلى أربعة أقسام: القانون السرمدي، القانون الإلهي، القانون الطبيعي، القانون المدني. فالأحكام التي تسود على المجتمعات البشرية لا بد لها أن تعكس حقائق القانون الطبيعي وتعززها. ومن المفيد مجدداً التركيز على أن فصل العقل عن الإيمان ما كان ليكون مقبولاً لتوما الأكويني أو لأتباع ما عرف بالمذهب الأكويني. 

وتاريخ قطع العقل من الإيمان هو تاريخ معقد، عائد إلى تطورات عدة، منها بروز الموقف اللاهوتي الذي يقرن مشيئة الله بالجبروت بل والاعتباطية بدلاً من العقل والحب في معناهما الأقصى. ففي حين أن الاكتشافات في العلوم الطبيعية عززت القناعة بأن الله قد خلق عالماً يخضع لنواميس يمكن للإنسان أن يكتشفها ويفهمها ويسخرها، فإن البعض طرح رأياً بأنه ليس من الضرورة أن يكون لله يد في الموضوع. فلربما أن قوى طبيعية، وإن لم يتم تحديدها، هي التي أنتجت هذه النواميس. ثم جاء التبدل في تصور الطبيعة الإنسانية، وأمست معه مقولة سيادة الله على الإنسان غير مقبولة بالنسبة للبعض، لما تنضوي عليه برأيهم من استخفاف بمكانة الإنسان. فبرزت مقولة سيادة الإنسان على نفسه وعلى ما يشرف عليه. وهذه المقولة تنتهج العقلانية كعقيدة. ولا بد هنا من التمييز بين هذه العقلانية الضيقة كعقيدة معاصرة وبين المفاهيم العقلية الرحبة. 

فالنسبة لمعتنق العقلانية الضيقة، بعد أن تشكلت ملامحها في عصر التنوير الأوروپي، فإن الإيمان يندرج في خانة ليست هي العقل، ولا هي مضادة للعقل. أما العقل فقد جرى تشذيبه في هذا السياق ليمسي المطلوب فصل العقلي مما هو غير عقلي. ومع تغلب هذا التصور على النخب الفكرية، فإن الإيمان أصبح منبوذاً، كما سبق أن ذكرت. فأن يكون المرء عقلانياً أصبح غير متوافق مع أن يكون مؤمناً. أما المخزون التراثي، فأصبح وفق هذه الرؤية عبئاً لا بد من تجاوزه بدلاً من التفاعل معه.

وفي الوقت نفسه، فإنه قد برزت توجهات لدى المفكرين القانونيين تعتبر أن القانون السائد هو الذي يحقق مصلحة الطرف الأقوى. ولهذه التوجهات خلفية قديمة بالطبع إذ هي التي عبر عنها ثراسيماخوس في حواره مع سقراط كما ورد في جمهورية أفلاطون. إلا أن هذه الرؤية والتي جاءت في الأصل لتعكس قراءة متشائمة للواقع، أصبحت مدرسة قانونية متكاملة في العصر الحديث: فالقانون إذن هو حكم الأقوى، وعليه فإن القانون بمعناه التطبيقي ينقطع عن مبادئ القانون الطبيعي وعن الحقائق التي لا تحدها ثقافة واحدة أو تقليد واحد، أو زمان ومكان واحدان. 

والخلاصة هي أن العقل في الحداثة الغربية قد انحسر إلى مستوى العقلانية الضيقة، وأصبح الإيمان بالتالي المعتقدات غير العقلانية لأولئك الذين يعجزون عن تجاوز أوهام الطفولة. ولا بد بالتالي لأي اعتبار للعقل من الجانب الغربي أولاً أن يدرك الفجوة المؤذية القائمة لإيجاد السبل لتجسيرها. وهذه مهمة يمكن أن يتولاها لقاء مالطا، وللمؤسسة التي تحتضنه (مركز الاجتهاد والعقل). أما ثانياً فالواجب تبين المسؤولية في إدراك كيفية فهم القانون. ففي زمن ليس بالبعيد، كان الزعم أن نشوء الولايات المتحدة جاء منفصلاً عن القانون الطبيعي كلياً أو جزئياً، يواجه بالاستهجان. إذ يكفي إلقاء نظرة خاطفة وحيدة على «إعلان الاستقلال» ليتبين فساد هذا الزعم. والآباء المؤسسون للولايات المتحدة قد أدرجوا في بداية هذه الوثيقة أنهم يعتبرون أن «هذه الحقائق بديهية»، وهي حقائق بوسع الناس جميعاً، رجالاً ونساءاً أن يدركوها ويلتزموا بها. 

ونلحظ ثالثاً أن إعادة التواصل بين المفاهيم العقلية والمسائل الخلافية السياسية والاجتماعية من شأنه أن يأتي بالفائدة. فالخلاف والحرب بالنسبة لمعتنق العقلانية الضيقة هما نتيجة زخات من اللاعقلانية. هذا في حين أن التقليد الغربي اعتبر أن الخلاف، بما في ذلك الحرب، يجب أن يخضع للتمحيص العقلي والأخلاقي لتبين ما إذا كان استعمال القوة جائز، وكذك لتحديد ما إذا كان استعمال أنواع معينة من الأسلحة وتطبيق قواعد مواجهة معينة يستوفي الشروط الأخلاقية المعقولة. 

وحين يتطرق معتنقي العقلانية الضيقة إلى هذه المسائل، فإنهم غالباً ما يعتمدون الإطار المتصلب المرتبط بفكر عمانوئيل كانط والذي يصر على أنه ثمة قطعيات ضرورية تستوجب التقيد بها، مهما كانت العواقب. أما السائرون ضمن التوجه الأخلاقي العقلي المعروف بـ «الحرب العادلة» فيرون على الخلاف من ذلك بأنه لا بد من اعتبار العواقب للأعمال التي تستوفي المستلزمات الأخلاقية الأساسية. 

فبقدر ما يتخلف الغرب عن هذا التوجه العقلي الرحب، بقدر ما يجد نفسه عاجزاً عن الدخول في حوار جدي مع الثقافات التي لم تقطع التواصل بين العقل والإيمان، أو تلك التي تعمل على التوفيق بينهما. وذلك على الرغم من أن الحوار هو المطلوب اليوم. فالتواصل الجدي المستديم ممكن حصراً في إطار العقل الرحب لا العقلانية الضيقة. 

وإطار العقل الرحب هذا، كما بينته هنا، بالتواصل والتكامل مع مفهوم الاجتهاد، من شأنه أن يرفع ويثري كل من هذين السبيلين لفهم العالم.

English

Search